يونيو 28, 2022 - 9:36 ص

26

بقلم أياد السماوي

يعد موضوع العدول عن الأحكام الدستورية من المواضيع ذات الأهمية الكبيرة بالنسبة للقضاء الدستوري , وقد عرّفه البعض بأنّه (تحوّل واضح في الحلول القضائية يتّسم بأنّه تحوّل غير مفروض على المحكمة وكذلك تحوّلا كلّيا أو جذريا في القرار السابق) وعرّفه البعض بأنّه عدول عن مبدأ قررته المحكمة الدستورية العليا في بعض أحكامها السابقة) , ووصفه البعض بأنّه العدول عن مبدأ سابق) , إذ إنّ النتائج التي تترّتب على حجيّة الأحكام الصادرة عن القضاء الدستوري هو إسباغ المطلقة على أحكامها واعتبارها ملزمة لجميع سلطات الدولة وعدم جواز العدول عن الحجيّة المطلقة للأحكام بعدم الدستورية , إلا إنّ هناك حالات يجوز فيها العدول عن الحجيّة المطلقة حيث أنّ مقتضى الحجيّة المطلقة التي يحوزها الحكم بعدم الدستورية ممكن أن تثير المسألة الدستورية من جديد أمام القضاء الدستوري , واتّجهت بعض المحاكم الدستورية في أوربا إلى العدول عن رأي سابق تبنته لسبب أو لآخر , حيث اتّجهت إلى ذلك المحكمة الدستورية الألمانية وبحذر شديد إلى الأخذ بمبدأ العدول إذا ما طرأت ظروف تتطلب تقديرا جديدا من المحكمة الدستورية , وفي الاتجاه نفسه سارت المحكم الدستورية النمساوية معلّلة اتجاهها في إعطاء إجابة مختلفة عن المسألة تخالف ما إرتأته من قبل , ويأتي ذلك استنادا إلى أنّ من سلطتها اعتناق أفكار جديدة وقيم جديدة للمجتمع عبرّ عنها الدستور ضمنا , ومن قبيل ذلك شرط المساواة وما يمكن أن يعكس تفسيره من تأويلات مختلفة في ضوء تطوّر الظروف كما قضت المحكمة الدستورية الإيطالية أنّه يمكن لها أن تغيّر اتجاهها في المسألة الدستورية في ضوء التطورات اللاحقة في المبادئ الأساسية للنظام القانوني لما يمكن أن تؤدي إليه هذه التطورات من حلول مختلفة , وتعمل المحكمة الأمريكية في ظل مبدأ حجيّة السوابق لكن على الرغم من من أهمية هذا المبدأ فإنّ المحكمة الاتحادية العليا الامريكية لم تلتزم به دائما وعبرّت في وقت مبّكر عن القيمة النسبية لهذا المبدأ وذلك علم 1849 في القضية المعروفة ( ذا باسنجر كيسس ) , مقرّرة أنّ القاعدة التي تجري عليها المحكمة هي أنّ آراءها في تفسير الدستور تظل دائما مفتوحة للبحث لإعادة النظر فيها تبيّن أنّها أقيمت على أساس خاطئ , وحجيّة هذه الآراء يجب أن لا تعتمد إلا على قوّة ما تستند من منطق وتدليل , وفي شرح القاضي الأمريكي الشهير ( برانديز ) عام 1932 ( حين يتّصل الأمر بتفسير الدستور الاتحادي ويتعذّر تصحيح الأخطاء القضائية بإصدار تشريعات جديدة , فقد جرت هذه المحكمة على تصحيح أخطائها بنفسها عن طريق نقض أحكامها السابقة , نازلة بذلك عند حكم التجربةوما يتّضح أنّه الأصلح والأسلم من المبادئ القانونية , وأعقب ( برانديز ) هذا هذا التدليل قائمة طويلة بعدد من الأحكام التي نقضت فيها المحكمة قضائها السابق مؤثرة تصحيح خطئها على الاستمرار فيه بدعوى المحافظة على استقرار الأوضاع القانونية , ورأى بعض من الشرائح الأمريكيين أنّ عدول المحكمة عن الصريح عن بعض السوابق أمرا يبعث على الثقة بها ويكشف مدى حرصها على على تصحيح أخطائها بنفسها , وأنّ المدّة التي أعقبت أزمة المحكمة مع الرئيس روزفلت شهدت أكبر وأسرع تحوّل في اتجاهات المحكمة , حيث عدلت عن أكثر من من ثلاثين سابقة يرجع البعض منها إلى أكثر من مئة عام , ولم تمض على بعضها الآخر غير أشهر معدودة , وكانت من وسائل المحكمة للتخلص من السوابق القضائية القديمة أمّا عن طريق تجاهل الحكم القديم وتقرير مبدأ جديد مخالف , أو بالعدول صراحة عن المبدأ المقرّر في السابقة القديمة .. أمّا في مصر فإنّ المحكمة الدستورية العليا فيها قد أصدرت أحكاما مختلفة تتناول ألوانا عديدة من الموضوعات منها ما يتّصل بحق المساواة في مجالاته المختلفة ومنها ما يتعلّق ببيان طبيعة الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور وحدودها في مجالات بالغة الدّقة من كحالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية , ويرى الدكتور أحمد كمال أبو المجد ( أنّه بإمكان المحكمة الدستورية العليا العدول عن بعض أحكامها القديمة التي أصبحت لا تواكب تطورات المجتمع ) ومما يشّجع ذلك أنّ مصر ليست من الدول التي يقرّر نظامها القانوني مبدأ حجيّة السوابق القضائية المقرّر والمعروف في النظام الأنكلوسكسوني الذي يجد مبررا لهذا المبدأ هو ضرورة الحفاظ على استقرار المعاملات وتظهر الحاجة واضحة إلى مراجعة المحكمة لمبادئها نتيجة التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تستوجب المراجعة …. في الجزء الثاني نستكمل معكم هذا البحث القانوني عن حجيّة الأحكام الدستورية والعدول عنها ..